حسن بن موسى القادري

161

شرح حكم الشيخ الأكبر

27 - من لم يتحقق بحقائق الحروف والأسماء ، فهو مصروف عن كشف غوامض الأشياء . وكما قال الشيخ قدّس سرّه : ( من لم يتحقّق بحقائق الحروف والأسماء ، فهو مصروف عن كشف غوامض الأشياء ) التحقق « 1 » بالحقائق من أصعب الأحوال يحتاج إلى عدم انطباع صور الأكوان في مرات القلب بأن لا يرى النفع والضرر منها حتى لا يعتمد عليها ، ولا الجمال لها حتى لا يحبها ، ولا يشتهي شيئا منها حتى لا يغفل ، وإن القلب المكبل بالشهوات لا يمكن انتقاله كلما أراد النهوض أخلدته ، وإن نهض فعن السير أمسكته ، وإن سار فمن الإسراع منعته ، وإن أسرع ففي الطريق ثبطته ، ولذا قيل : لدغ الزنابير على الأجسام المقدحة أيسر من لدغ الشهوات على القلوب ، وأوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام : أن حذر قومك عن الشهوات فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني ، ويحتاج أيضا الرجوع إلى اللّه بالإنابة عن الهفوة والوقوع في الزلل ، فإن الهفوة مانعة عن الفهم ، فلا يفهم صاحبها دقائق الأسرار . قال اللّه تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [ المطففين : 14 ] . فإذا اتصف الرجل بهذه الأوصاف يشرق قلبه فرأى الحقيقة ، وعرف الحق تعالى

--> - فيها ليلا طويلا فإذا لانت بعد قسوتها ، وخضعت بعد شدتها ، وأنست بعد وحشتها ، وأقبلت بعد نفرتها فاستنهضها لعالي الأخلاق ، وشوقها لرفيع الأذواق فإذا مالت لذلك ، وأقبلت على ما هنالك ، وتشعت فيه ، وظهر لها من الحق ما كان هواها يخفيه ، حنت حنو الغريب لأوطانه ، وناحت على ما ضيعته نواح القمري على أغصانه ، ورجعت طالبة إلفها القديم ، وناديها التي كانت به تهيم ، ثم بعد هذا فإياك من فلتاتها ، ثم إياك أن تغتر بتركها لعاداتها بل لا تغفل عن الجهاد فيها أن تكن عرفت ظواهرها وخلافيها ، وانظر قول القائل : ما دامت النفس حية تسعى فهي حية تسعى ، فمتى ما غفلت عنها ربما رجعت بك إلى وراء ، وأنت تظن أنك أمام لما اعتمدت عليه من حسن سلوكها والسلام . ( 1 ) التحقيق : هو ما يحصل معه القطع الذي يستحيل معه وجود النقيض ، وحقيقته : وجدان وجود في كشف يستحيل معه الستر الموجب لتوهم الغيب ، وغايته : بلوغ يوجب الوقفة ؛ لاستحالة توهم مطلوب سيحصل انتهى .